الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

95

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

الحالات ملكة له وموجبة للسكون فيه كما لا يخفى . والحاصل : أنّ الإنسان وان كان ببدنه في الدنيا إلا أنه في الباطن بحسب أعماله وأخلاقه في أحد تلك الأماكن ، فسالك السماء والعليين سالك في الصراط المستقيم ، وسالك الأرض والسجين سالك إلى الجحيم . وأمّا بيان السر في أن الأعمال والأخلاق بقسميهما كيف يوجبان السير الباطني إما إلى عليين وإما إلى السجين هو أنه : إن المستفاد من أحاديث العقل والجهل أن حقيقة العقل نازلت من عند العرش في مقام القرب إلى اللَّه سبحانه ، كما أن حقيقة الجهل في مقابله أي في كمال البعد عنه تعالى ، وأن حقيقة العقل هو الكلي المجرّد النوراني ، وله جنود من الملكات والأعمال والعلوم في عالم المجردات ، كما أن الجهل هو الكلي البسيط الظلماني له جنود من الملكات والأعمال بنحو الكلي يقابل جنود العقل على نحو مذكور في الأحاديث . فالعقل والجهل الكليان بمنزلة الأصل الواقع كلّ منهما في عالمه ، هذا عند الربّ وفي مقام القرب ، وذاك في منتهى مقام البعد عنه تعالى ، ولكن جنود كل منهما يظهر فينا ، فبقدر ظهور كلّ من الجندين في الإنسان يقرب الإنسان إلى منزل أصله وسلطانه ومأواه ، فهو سلوك وصراط بالنسبة إليه ، وعلمت أن الأعمال والأخلاق بقسميها يؤثر في الإنسان أثرا بيّنا يكون ذلك الأثر نتيجة سيره إلى الأصل من العقل والجهل الكليين ، فالإنسان واقع في هذا الميدان بين جنود العقل والجهل ، كلّ منهما يدعوه إلى مقتضاه . يدلّ على ما ذكرنا ما في الكافي ( 1 ) ، بإسناده عن سماعة بن مهران قال : كنت عند أبي عبد اللَّه عليه السّلام وعنده جماعة من مواليه ، فجرى ذكر العقل والجهل ، فقال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : اعرفوا العقل وجنده والجهل وجنده تهتدوا فقال سماعة : فقلت : جعلت فداك لا نعرف إلا ما عرفتنا ، فقال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : إن اللَّه عز وجل خلق

--> ( 1 ) الكافي ج 1 ص 21 . .